مرارة الإقصاء تكشف هشاشة الإعلام الجزائري: الأكاذيب والمسرحيات الجاهزة تنهار أمام نجاح التنظيم المغربي واحترافية البطولة

نهيلة الدويبي -العُلا
فور انتهاء مباراة ربع النهائي التي شهدت إخفاقاً قاسيا ًللمنتخب الجزائري أمام نظيره النيجيري ، عاد الإعلام الجزائري كما هو معتاد، إلى عادته القديمة في صناعة الروايات الجاهزة واتهام العالم كله بما لم يحدث. وكأن أي هزيمة رياضية لا يمكن أن تُفسر بالتحليل الموضوعي، بل يجب دائماً أن يكون هناك “مؤامرة كونية”، أو “تدخل خارجي”، أو “تحكيم مشبوه”، أو أي نظرية جاهزة لإلقاء اللوم بعيدًا عن المسؤولية الذاتية.
في هذه المرة، كانت الشاشة مفتوحة على موجة متواصلة من الاتهامات الممجوجة حملت نفس الخطاب الذي اعتاد المشاهد الجزائري سماعه بعد كل إخفاق: كل شيء مسرحية، كل النتائج مزورة، والمباريات مُشترَاة. تكرر هذا السيناريو بنفس الكلمات، بنفس الصور، وبنفس الطريقة التي توحي بأن الإعلام الجزائري فقد البوصلة تمامًا، وأصبح يعيش في عالم من التهويل والتزييف، بعيدًا عن المهنية والتحليل الرياضي الواقعي.
اللافت في هذا السلوك الإعلامي هو القدرة المدهشة على تجاهل الحقائق البسيطة: الهزيمة جزء طبيعي من الرياضة، والنتائج لا تُصنع بالكلام أو بالتصريحات ولا يمكن لأي قوة خارجية أن تفرض أداءً على أرض الملعب. لكن بدل ذلك يتحول أي إخفاق إلى فرصة لإطلاق سلسلة من الاتهامات الغريبة، تركز على البحث عن “أعداء خارجيين” بدل مواجهة الأسباب الحقيقية للفشل.
الأمر لا يقتصر على مجرد الانتقاد العادي، بل يشمل حملة ممنهجة من التضليل واستهداف للحقائق الرياضية وتحويل الجمهور إلى متلقٍ جاهز لمؤامرات وهمية. الإعلام يتحول إلى أداة إثارة، يكرر سردية مؤامرات متكررة منذ سنوات، وكأن كل إخفاق لم يكن نتاجاً لأداء ضعيف أو تكتيك غير موفق، بل نتيجة “مخطط خفي” يجب كشفه على الشاشة فورًا.
هذه الظاهرة تحمل أبعادًا أكثر خطورة من مجرد المبالغة الصحفية. فهي تعكس ثقافة إفلات من المسؤولية، ورفض مواجهة الواقع، وتغذي شعور الجمهور بالعجز والاتهام المستمر للآخرين. الهزائم، كما في أي رياضة، هي فرص للتقييم والتحليل، وللتعلم من الأخطاء، لكن الإعلام الجزائري يبدو متمسكاً بسردية جاهزة تعيد إنتاج نفس الأخطاء الإعلامية مرارًا وتكرارًا، دون أي تقدّم أو تطور.
ما يزيد الطين بلة هو غياب أي صحافة تحليلية حقيقية تتناول الأسباب الفنية، التربوية، أو التنظيمية لأي إخفاق. بدل ذلك، نجد شاشات ممتلئة بالتكهنات تصريحات غير دقيقة ونظريات مؤامرة جاهزة. الجمهور الرياضي الذي يسعى لفهم الأسباب الحقيقية لما حدث يجد نفسه ضائعًا بين الأكاذيب والاتهامات السريعة. في الوقت الذي كان من الممكن فيه تقديم تحليل مهني يثري المشهد، نجد مجرد صراخ مستمر على الهواء يتكرر وكأنه نسخة مكررة من كل مرة يُسجل فيها إخفاق.
التصريحات الإعلامية المبالغ فيها حول المباريات المشترَاة والتلاعب بالبطولات لا تضر سوى بالمصداقية الصحفية نفسها كل من يتابع الرياضة يعرف أن هذه المزاعم لا أساس لها على أرض الواقع، وأنها لا تقدم شيئا سوى التضليل، وإثارة الشكوك بلا مبرر. الإعلام الرياضي ليس ملعبًا لإطلاق الاتهامات دون دليل، بل هو مساحة لتحليل الأداء، نقل الأحداث بدقة، وتقديم تقييم موضوعي لما يحدث.
وهنا يظهر الفرق بين الإعلام المسؤول والإعلام المهووس بالإثارة. الإعلام المسؤول يتقبل النتائج يحلل الأخطاء، ويقدم توصيات بناءة، أما الإعلام المهووس بالإثارة، فيختار دائمًا الرواية الأسهل: خلق أعداء وهميين، وصناعة خصوم خياليين، وتحويل الهزيمة إلى مؤامرة مزعومة، في محاولة لتجنب أي مساءلة حقيقية.
ومن اللافت أيضًا كيف أن هذه الظاهرة تتكرر بنفس السيناريو بعد كل إخفاق ليس هناك أي تغيير، ولا حتى محاولة لإعادة النظر في الأسلوب أو المنهجية. كل مرة تتكرر المسرحية نفسها، بنفس الخطاب، بنفس العبارات وبنفس الصور، وكأن الإعلام الجزائري أصبح أسير نمط ثابت: البحث عن كبش فداء خارجي بدل مواجهة الحقيقة.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسة تعكس أيضًا تأثيرًا سلبيًا على الجمهور الرياضي نفسه، الذي يُغذى على الأكاذيب والاتهامات الفارغة ويُبعد عن المفهوم الحقيقي للرياضة، الذي يقوم على المنافسة، الجهد، الانضباط، والتحليل الموضوعي. الجمهور يجد نفسه أسير موجة إعلامية تتجاهل الواقع وتفرض سردية جاهزة، تجعل من الهزيمة حدثًا مؤامراتيًا بدل أن يكون فرصة للتعلم والتطور.
إعلام الجزائر بحاجة ماسة إلى مراجعة نفسه، وتحمل المسؤولية، والابتعاد عن سردية الهجوم المسبق على العالم الخارجي بعد كل إخفاق. كل إخفاق هو فرصة للتقييم والتحسين لا لإعادة تدوير المسرحيات القديمة، ولا لإطلاق الأكاذيب المتكررة. المشهد الإعلامي يحتاج إلى المهنية والموضوعية وليس إلى المسرحيات الفارغة التي تعيد إنتاج نفس الأخطاء مرارًا وتكرارًا، مع كل خسارة أو إخفاق !




