من إنهاء مهام السفيرة إلى أزمة التأشيرات وتعنّتِها في ملف الصحراء… كيف دفعت حسابات الجزائر الخاطئة واشنطن إلى تصنيفها في المنطقة السوداء دبلوماسيًا ؟

نهيلة الدويبي -العُلا
لم يعد نزاع الصحراء المغربية ملفًا إقليميًا عالقًا يمكن التعامل معه بمنطق المناورة أو كسب الوقت، بل تحوّل خلال العقد الأخير إلى أحد أكثر القضايا وضوحًا في ميزان العلاقات الدولية، حيث بات المجتمع الدولي يميّز بجلاء بين من يسعى إلى حلول واقعية قابلة للتنفيذ، ومن يصرّ على تغذية نزاع مفتعل لأسباب أيديولوجية أو حسابات داخلية ضيقة. وفي قلب هذه التحولات، يبرز المغرب كفاعل دبلوماسي ثابت الرؤية، مقابل الجزائر التي اختارت التموقع في خانة الرفض والإنكار، لتجد نفسها اليوم في وضع غير مسبوق من العزلة والتوتر مع شركاء دوليين وازنين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
شهدت السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في مواقف عدد من الدول الكبرى والمتوسطة داخل الأمم المتحدة وخارجها، حيث باتت مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تُوصف بشكل متكرر بأنها الحل “الواقعي الجدي وذي المصداقية”. ولم يعد هذا التوصيف مجرد صيغة دبلوماسية، بل تحوّل إلى أرضية سياسية يتقاطع حولها الفاعلون الدوليون الباحثون عن الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
هذا التحول لم يكن وليد ظرف عابر بل نتيجة مسار دبلوماسي مغربي طويل استند إلى الجمع بين الشرعية التاريخية، والتنمية الميدانية في الأقاليم الجنوبية وربط القضية بمنطق الأمن الإقليمي ومحاربة التطرف والهجرة غير النظامية. وفي المقابل، لم تقدّم الجزائر أي رؤية بديلة قابلة للتطبيق مكتفية بإعادة إنتاج خطاب تقليدي يقوم على التشكيك، والعرقلة، ورفض الانخراط في أي مسار سياسي حقيقي.
رغم كل هذه التطورات، لا يزال الخطاب الرسمي الجزائري يكرر مقولة “عدم الطرفية”، في تناقض صارخ مع الواقع السياسي والقانوني. فالجزائر ليست فقط الدولة التي تحتضن قيادة جبهة البوليساريو على أراضيها، بل هي أيضًا الجهة التي توفر لها الدعم المالي والدبلوماسي، وتدافع عنها في المحافل الدولية، وتمنع أي آلية دولية مستقلة من إحصاء ساكنة مخيمات تندوف.
هذا التناقض لم يعد مقنعًا حتى لأقرب الشركاء التقليديين للجزائر. فالأمم المتحدة، من خلال قرارات مجلس الأمن وتقارير المبعوثين الأمميين، تؤكد بشكل متكرر على ضرورة انخراط الجزائر في المسار السياسي، باعتبارها فاعلًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه. كما أن صيغة “الموائد المستديرة” لم تكن لتشمل الجزائر لولا الاعتراف الضمني بدورها المركزي في استمرار النزاع.
الزيارة التي قام بها مؤخرا ًمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية جاءت في سياق دولي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في القارة الإفريقية، حيث باتت واشنطن تنظر إلى النزاعات المزمنة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها الأمنية والاقتصادية. وكان من الواضح أن الرسالة الأمريكية تميل نحو الدفع باتجاه حلول سياسية واقعية، وتحمّل جميع الأطراف مسؤولياتها.
غير أن الجزائر اختارت مرة أخرى، سياسة الرفض وامتنعت عن الانخراط في أي مسار تفاوضي مباشر، متشبثة بخطاب الحياد المزعوم. هذا الرفض لم يُقرأ في واشنطن كدفاع عن مبدأ، بل كتعطيل لمسار دولي يسعى إلى إنهاء أحد أقدم النزاعات في إفريقيا.
تُعد العلاقات بين الجزائر والولايات المتحدة من أكثر العلاقات التي شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة ليس بسبب خلاف ظرفي أو ملف واحد بل نتيجة تراكم اختلالات في الرؤية السياسية وتباعد متزايد في أولويات الطرفين. فواشنطن التي باتت تعتمد مقاربة براغماتية صارمة في علاقاتها الدولية، لم تعد تنظر بعين الرضا إلى الدول التي ترفض الانخراط في الحلول السياسية، أو التي تتبنى سياسات رمادية في قضايا الأمن الإقليمي.
تزايدت داخل دوائر القرار الأمريكية مؤشرات عدم الرضا عن الموقف الجزائري، سواء فيما يتعلق بملف الصحراء، أو بالتعامل مع قضايا الساحل أو بالعلاقة الملتبسة مع كيانات مسلحة تُثير مخاوف أمنية حقيقية. وقد تُرجم هذا التململ في سلسلة من الإشارات السياسية والدبلوماسية التي فهمها المراقبون على أنها بداية قطيعة غير معلنة.
من بين هذه الإشارات برزت تقارير عن إنهاء مهام سفيرة الولايات المتحدة في الجزائر في خطوة نادرًا ما تتم دون خلفيات سياسية واضحة. فالدبلوماسية الأمريكية لا تتعامل مع التمثيل الدبلوماسي باعتباره إجراءً شكليًا بل كأداة تعكس مستوى الثقة والتفاهم بين الدول. وإنهاء مهمة سفير أو سفيرة في سياق متوتر غالبًا ما يُقرأ كرسالة سياسية قوية، مفادها أن العلاقة لم تعد تسير في الاتجاه الصحيح.
وتعزز هذا المنحى بقرار أمريكي يقضي بفرض شرط “الكفالة المالية” على المواطنين الجزائريين الراغبين في الحصول على تأشيرة الزيارة المؤقتة (B1/B2)، وهو إجراء استثنائي لا يُعتمد إلا مع عدد محدود من الدول. هذا القرار لا يحمل فقط أبعادًا إدارية، بل يعكس تقييمًا أمنيًا وسياسيًا مفاده تراجع مستوى الثقة في التعاون القنصلي والهجروي، ويُعد، في الأعراف الدبلوماسية، شكلًا من أشكال الضغط غير المباشر.
بالنسبة للجزائر، شكّل هذا القرار ضربة قاسية لصورتها الخارجية، ورسالة واضحة بأن واشنطن لم تعد مستعدة للتغاضي عن سياسات تعتبرها معرقلة للاستقرار الإقليمي. أما داخليًا، فقد كشف هذا التطور هشاشة الخطاب الرسمي الذي طالما قدّم الجزائر كقوة إقليمية وازنة، في حين أن المؤشرات العملية تسير في اتجاه مغاير تمامًا.
لا يمكن فصل هذا التدهور في العلاقات الجزائرية–الأمريكية عن استمرار الجزائر في احتضان جبهة البوليساريو، التي باتت تُنظر إليها دوليًا ككيان فاقد للأفق السياسي، ومصدر قلق أمني في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة متزايدة. فالتقارير الدولية حول تداخل أنشطة التهريب والجماعات المسلحة في محيط مخيمات تندوف جعلت من هذا الملف نقطة حساسة في تقييم الشركاء الدوليين لسلوك الجزائر.
واشنطن، التي تضع محاربة الإرهاب وعدم الاستقرار في صدارة أولوياتها، لا تنظر بعين الرضا إلى أي دعم مباشر أو غير مباشر لكيانات تُصنّف ضمن مناطق رمادية أمنية. وهو ما يزيد من تعقيد العلاقة، ويجعل من ملف الصحراء عاملًا مضاعفًا للتوتر بدل أن يكون مجرد خلاف دبلوماسي.
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز موقعه كشريك استراتيجي يحظى بثقة متزايدة لدى الولايات المتحدة وعدد كبير من القوى الدولية. هذا الموقع لم يُبنَ على الخطاب، بل على أفعال ملموسة، تشمل التعاون الأمني، والاستثمار، وربط الاستقرار السياسي بالتنمية الاقتصادية. ومبادرة الحكم الذاتي أصبحت اليوم جزءًا من هذه الرؤية الشاملة، وليست مجرد مقترح تقني لحل نزاع..،هذا التباين بين النهجين المغربي والجزائري يفسر إلى حد كبير الفارق في المعاملة الدولية، ويكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بملف الصحراء، بل بنموذجين متناقضين في إدارة السياسة الخارجية.
إن ما تعيشه الجزائر اليوم هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من القرارات الخاطئة، التي فضّلت العناد على الواقعية، والصراع على التعاون. فالعالم يتغير، والتحالفات تُبنى على أساس المصداقية والقدرة على الإسهام في الحلول، لا على تعطيلها.
ملف الصحراء المغربية لم يعد ساحة للمزايدات، بل أصبح مرآة تعكس بوضوح من يملك رؤية للمستقبل، ومن لا يزال أسير حسابات الماضي. وبينما يراكم المغرب اعترافات ودعمًا دوليًا، تجد الجزائر نفسها في مواجهة عزلة متزايدة، وتوتر غير مسبوق مع قوى كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة..، ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تختار الجزائر مراجعة مواقفها والانخراط في منطق الحل، أم تواصل السير في طريق العزلة، بكل ما يحمله من كلفة سياسية واقتصادية واستراتيجية !




